العيني
96
عمدة القاري
ماجة : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا شعبة عن أنس بن سيرين عن عبد الملك بن المنهال عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بصيام أيام البيض : ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ، ويقول : ( هو كصوم يوم الدهر . أو كهيئة صوم الدهر ) وروى أيضا : حدثنا إسحاق بن منصور ، قال : حدثنا حيان بن هلال ، قال : حدثنا همام عن أنس بن سيرين قال : حدثني عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، ورواه النسائي إلاَّ أنه قال : قدامة بن ملحان قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالصيام أيام الليالي الغر البيض : ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ) ورواه أبو داود إلاَّ أنه قال : عن أنس عن ابن ملحان القيسي عن أبيه . . . فذكره ولم يسمه ، وقال الحافظ المزي تبعا للحافظ ابن عساكر : ويشبه أن يكون ابن كثير أي شيخ أبي داود نسبه إلى جده ، وقال الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي : قيل : إنه ملحان بن شبل البكري والد عبد الملك بن ملحان ، ذكره ابن عبد البر في الصحابة ، قال : وقيل : بل هو قتادة ابن ملحان والد عبد الملك بن قتادة بن ملحان ، ولقتادة هذا صحبة فيما ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر أباه في كتابه ، ولا أبو القاسم البقوي في ( معجم الصحابة ) ، قال : وذكرهما أعني : قتادة وملحان أبو عمر بن عبد البر في ( الاستيعاب ) فإن قلت : روى النسائي بإسناد صحيح من رواية سعيد بن أبي هند أن مطرفا حدثه أن عثمان بن أبي العاص ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : ( صيامٌ حسنٌ ثلاثة أيام من كل شهر ) وأخرجه ابن حبان أيضا في ( صحيحه ) هذا ولم يعين فيه أياما بعينها ، وروى النسائي أيضا من حديث حفصة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : ( أربع لم يكن يدعهن النبي صلى الله عليه وسلم : صيام عاشوراء ، وأول العشر ، وثلاثة أيام من كل شهر ، وركعتين قبل الغداة ) . وروى أبو داود من حديث حفصة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من الشهر : الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى ) . وهذا فيه غير أيام البيض . وروى أبو داود والنسائي من رواية الحسن بن عبيد الله عن هنيدة الخزاعي عن أمه ، قالت : دخلت على أم سلمة ، رضي الله تعالى عنها ، فسألتها عن الصيام ؟ فقالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر : أولها الاثنين والخميس ) ، والخميس لفظ أبي داود . وقال النسائي : يأمر بصيام ثلاثة أيام : أول خميس والاثنين ، وقد رواه أبو داود والنسائي من رواية الحر بن الصباح عن هنيدة عن امرأته عن بعض أزواج النبي ، صلى الله عليه وسلم ، غير مسماة ، وروى ابن عدي في ( الكامل ) من حديث أبي الدرداء ، قال : ( أوصاني رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بغسل يوم الجمعة ، وركعتي الضحى ، ونوم على وتر ، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر ) . وروى يوسف القاضي في ( كتاب الصيام ) من حديث علي ، رضي الله تعالى عنه ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( صوم شهر الضبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الشهر ، ويذهب بوحر الصدر ) . والوحر ، بفتح الحاء المهملة : الغل . وروى الطبراني في ( المعجم الكبير ) من حديث النمر بن تولب من حديث الجريري عن أبي العلاء ، قال : كنا بالمربد ، فأتانا أعرابي ومعه قطعة أديم ، فقال : انظروا ما فيها ! فإذا كتاب من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وفيه : ( فقلت أنت سمعت هذا من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، وسمعته يقول : صوم شهر الصبر وصيام ثلاثة أيام من الشهر يذهبن وغر الصدر ) ، وفيه : ( فسألت عنه ، فقيل : هذا نمر بن تولب ) . وأصل الحديث رواه أبو داود والترمذي ، وليست فيه قصة الصيام ولم يسم فيه الصحابي . والوغر ، بالتسكين : الضغن والعداوة ، وبالتحريك : المصدر . قلت : هو بالغين المعجمة ، وأصله من الوغرة وهي شدة الحر . وروى أبو نعيم في ( الحلية ) من حديث جابر ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ( خرج علينا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : ألا أخبركم بغرف الجنة . . . ) الحديث ، وفيه : ( فقلنا : لمن تلك ؟ فقال : لمن أفشى السلام وأدام الصيام . . ) الحديث ، وفيه : ( ومن صام رمضان ، ومن كل شهر ثلاثة أيام فقد أدام الصيام ) . قلت : التوفيق بين هذه الأحاديث أن كل من رأى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فعل نوعا ذكره ، وكانت عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، رأت منه جميع ذلك ، فلذلك أطلقت فيما رواه مسلم من حديثها أنها قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ما يبالي من أي الشهر صام ) ، والذي أمر به وحث عليه ووصَّى له ، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما نذكره ، فهو أولى من غيره . وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك ، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز . فإن قلت : أي : الفصلين يترجح ؟